مهاجر إيطالي حقق مشروعه تحت الأرض!!

يواجه كثيرون صدمة الفشل في تحقيق أحلامهم، ورغم اتخاذ التدابير ودراسة الخطط، فإنهم يواجهون عقبات العادات ونقص المال، وربما العيش في بلاد لا تقدم الفرص المناسبة، لكن قليلين فقط الذين ينجحون في تخطي العثرات وعدم استعذاب البكاء على أطلال الفشل، وفي تجربة الإيطالي بالداساري فوريستييري خير مثال على ذلك.

فوريستييري الإيطالي (1879-1946) ولد بمدينة سيسيليا بإيطاليا لأب مزارع يمتلك حدائق موالح، وكبر الابن محبا لمهنة أبيه، وأراد أن يمتلك هو أيضا أرضا في يوم ما يزرع فيها ما يشاء، لكن والده رفض، فقد كان من عاداتهم أن الابن الأكبر هو الذي يرث الأرض ويعمل لديه إخوته الأصغر سنا.
لم يقبل فوريستييري الابن (22 عاما وقتها) ذلك، لكنه لم يكن يملك مالا يكفي لشراء أرض خاصة به، ولأن حلمه الأساسي لم يكن ممكنا تحت إمرة أبيه، فقد فكر الشاب في خطة تقربه من ذلك الحلم.

كان العمل في أنفاق نيويورك بالولايات المتحدة مجزيا مقارنة بأعمال الزراعة والبستنة، فاستقل فوريستييري ذو النفس المغامرة سفينة، وعمل في حفر الأنفاق سنين حتى تمكن من توفير ما ظن أنه كاف لشراء أرض يزرع فيها البرتقال كما أحب؛ فبحث عن أفضل مناخ في أميركا لزراعته ثمّ استقر على كاليفورنيا، وقصد جنوبها حيث مدينة لوس أنجلوس.

ومع وصله بدأ بحثه حتى خلص إلى أن ما جمعه من مال لا يكفي لشراء قطعة الأرض التي يحلم بها، فظل يسأل حتى علم بمدينة فريزنو (شمال كاليفورنيا) التي يمكنه فيها شراء مساحة كبيرة من الأرض، فسافر إليها وأحضر معداته اليدوية ليبدأ تجهيز الأرض وكاد حلمه أن ينتهي هنا.

كانت الطبقة السطحية من الأرض فخارية لا تصلح للزراعة، فاضطر بعد أن أنفق فيها كل ما لديه من مال لفعل ما ترك أهله وتغرب سنين لتجنبه؛ العمل أجيرا في أرض يمتلكها غيره، ثمّ يعود ليبيت في منزله الصغير الذي بناه لنفسه في أرضه.
وعندما حل الصيف وهجمت حرارة فريزنو التي قد تصل لأعالي الأربعينيات مئوية، فكر فوريستييري في فكرة خارج الصندوق، فحفر غرفة صغيرة تحت سطح الأرض يحتمي فيها من الحر الشديد؛ فكان يقضي فيها نهاره ويبيت في بيته، إلى أن تساءل: “لم لا أحفر مساحة أكبر؟” لم يدرك وقتها أن هذا التساؤل سيغير حياته.

استدعى فوريستييري خبرته في حفر الأنفاق مع ولعه بهندسة المقابر الرومانية تحت الأرضية. وفي أوائل 1906، بدأ الإيطالي المهاجر حلمه في تحويل 10 فدادين من أرض جدباء ميؤوس منها إلى شبكة من الممرات والغرف والحدائق تحت الأرض بمفرده فقط، وباستخدام جاروف وأدوات يدوية لا غير.

صمم فوريستييري ما يعرف اليوم باسم حدائق فوريستييري تحت الأرضية (Forestiere Underground Gardens) في براعة وبمهارة هندسية أكسبته لقب “صاحب الرؤية”، وأدخلت مشروعه -الذي يمكن اعتباره متحفا مفتوحا- في قائمة المناطق التاريخية بولاية كاليفورنيا التي يأتيها الزوار من كل العالم.
ثمّ تولدت لدى فوريستييري فكرة أن يحول مكانه الخاص إلى منتجع على طراز البحر المتوسط، ويستقبل فيه الزوار، فاستمر في التفنن والإبداع والتجميل والحفر والبناء 40 عاما، من 1906 وحتى وفاته في 1946، بعمق وصل إلى 25 قدما، وبنى 65 غرفة، وكانت النتيجة تحفة فنية تتخذ نموذجا رائعا “للعمارة العامية”، وهو مصطلح يطلق على عمارة غير المحترفين التي تستخدم الإمكانات المتاحة لسد الحاجات المحلية.

بصمات مميزة
بنى فوريستييري غرفة نوم لفصل الشتاء وأخرى للصيف، وصنع في إحداهما نافذة يرى منها القادم ولا يكشفه أحد، كما خصص بركة للأسماك فكان كل فترة يحضر أسماكا حية لتعيش وتتكاثر ويأكل منها فلا يحتاج لمغادرة أرضه للبحث عن طعام.

واجهته مشكلة احتياج الزرع للماء وأشعة الشمس، فحفر بئرا ليسقي منها، وجعل فوق الأشجار التي زرعها فوّهات لتصلها أشعة الشمس. وللحفاظ على حرارة معتدلة، وضع قطع زجاج فوق الفوّهات يزيلها إن أراد إدخال الهواء الخارجي ويضعها إن أراد منعه. وأخيرا زرع أشجار البرتقال والليمون التي كان يحلم بها، وبخبرته جعل شجرة منها تثمر 7 أنواع مختلفة من الليمون والبرتقال. ووصلت الأشجار التي زرعها إلى 20 نوعا، وما زال العديد منها مثمرا بعد مرور أكثر من 100 عام.
وكما نتعلم من بالداساري فوريستييري دروسا إيجابية في الاستمرارية، يجب أن نتعلم من أخطائه متى نتوقف؛ فقد ظل يجوّد في عمله حتى انتهى عمره ولم يفتتح المنتجع الذي أراده. صحيح أنه لم يكن هدفه الأصلي لكنه كان ممكنا. وهنا نتساءل: هل لو أعطاه والده جزءا من أرضه، أكنا نسمع به؟ أكنا نتعرف على رجل كلما ظهرت أمامه صعوبة وجد لها حلا، وكلما فشلت خطة وجد لها بديلا يناسب ما طرأ من ظروف، حتى انتهى بتحقيق ما هو أفضل من حلمه العادي الذي بدأ به؟

اليوم يباشر أعضاء من عائلة فوريستييري إدارة الحدائق المفتوحة للزوار، التي خلدت اسمهم وتركت أثرا ملهما لكل من تقابله عثرات على الطريق. فمن الممكن ألا يتحقق الحلم كما نريده، لكن لا يجب أن نخشى من تحويره وتطويره، فقد ننتهي بما هو أبقى.

المصدر : الجزيرة

Share this post

No comments

Add yours