كيف تحقق أرباحا هائلة بميزانية متواضعة؟

الإبداع دائما يكون تحت وطأة الظروف الصعبة. هذا الدرس الذي تقرّه تجارب البشر في أوجه الحياة المختلفة يظهـر بأوضح صوره على الإطلاق في عالم الأعمال. من السهل جدا أن تؤسس شركة ناجحة عندما يكون لديك رأس مال قدره 10 ملايين دولار، بل إن الفشل أصلا في هذه الحالة يعتبر أمرا استثنائيا. لكن الإبداع الحقيقي هو أن تؤسس شركة أو مشروعا وتصل به إلى بر النجاح، وأنت تعاني أصلا من أزمة الافتقار لأبسط الأدوات التي تعينك على الوصول إلى هذا النجاح.

يبرز دائما التسويق كحل سحري لأزمة نقص الميزانية أو التمويل عموما. التسويق الإبداعي غير التقليدي الذي يستطيع أن يحوّل منتجا أو خدمـة عادية للغـاية إلى ظاهـرة عالمية تستمر لسنوات طويلة حديث الناس، وتُقدّم كحالة دراسية للمسوّقين في كافة المجالات. حدث هذا كثيرا بالفعل في العديد من المجالات، ويحدث وسوف يحدث دائما ما دام الإبداع التسويقي هو القاطرة التي تجذب الشركات للتميز.

السينما دائما تصلح كمثال

في صناعة السينما -واحدة من أضخم صناعات العالم- يشيع دائما منطق أن البقاء للأكثر مالا، وهو المنطق السائد في عالم الأعمال عموما. البقاء للأكثر تمويلا، والأكثر قدرة على تغطية نفقات حملات تسويقية ضخمة. كلما زاد تمويل الفيلم زادت قوة إبهاره وإنتاجه، وزادت أيضا قدرته على الوصول إلى المشاهد في كل بقاع العالم، وجذب ثمن تذكـرة السينما من جيبه الذي يصب في النهاية في خزينة الشركة.

ومع ذلك، يسجل التاريخ عددا من الأفلام التي أُنتجت بميزانية متواضعة واستطاعت أن تحقق إيرادات كبيـرة. فيلم “التطهير” (The Purge) الشهير المليء بالخناجر والقتل أُنتج بميزانية تقدر بثلاثة ملايين دولار، واستطاع أن يحقق أرباحا وصلت إلى سقف التسعين مليونا. فيلم “روكي” (Rocky) الشهيـر للنجم سيلفستر ستالون استطاع أن يحقق إيرادات وصلت إلى 117 مليون دولار مقابل ميزانيـة إنتاج لم تتجاوز المليون دولار. 

إلا أن التاريخ القريب دائما ما يتوقف أمام نموذج لفيلمين بالتحديد في عالم السينما قدّما نجاحا استثنائيا أدى إلى احتلالهما الدائم لأولويات الحالات الدراسيـة (case Studies) لعالم الإنتاج السينمائي، وخصوصا جوانبه التسويقية. هذان الفيلمان ينتميـان إلى تصنيف الرعب، واستطاعا تحقيق ما يشبه المعجزة التي يتحدث عنها الجميع حتى الآن.

مشروع الساحـرة بليـر.. إبداع تسويقي بلا حدود

في نهاية التسعينيات، كانت سينما الرعب تحقق توسعا ممتازا باعتبارها من أكثر التصنيفات التي تُلاقي إقبالا هائلا من الجماهيـر، وهو ما جعل شركات الإنتاج السينمائي تركز على هذا التصنيف بسبب الإيرادات الكبيرة التي تستقطبها. وبالطبع، كقاعدة في الإنتاج السينمائي، كلما كان الإنفاق أكبر على الفيلم، كانت الإيرادات والأرباح التي تملأ الخزينة أكبر.

في عام 1999، أقدمت شركة أرتيسيان للترفيه -إحدى شركات الإنتاج السينمائي الأميـركية- على ما بدا وقتها ضربا من الجنون. قامت الشركة بإنتاج فيلم رعب باستخدام كاميـرا واحدة من نوعية الـ “التسجيلات المكتشفة” (Found Footage) وهو من أشهر تصنيفات الرعب، بميزانيـة شديدة التواضع قُدّرت ما بين 50-60 ألف دولار. هذه الميزانية تعتبـر رقما مُضحكا بالنسبة لصناعة الأفلام عمومـا في بلاد هوليوود التي تنفق الملايين على الأفلام، حتى الفاشلة منها.

بشكل ما، مع ميزانية متواضعة كتلك، كان من الواضح أن الفيلم الذي حمل اسمه “مشروع الساحرة بلير” (Blair witch project) سيكون فيلما مستقلا فاشلا لن يحظى بأي نجاح، أو في أفضل حالاته سيحصل على نجاح محدود للغاية. المفـاجأة، أن الفيلم وبما يبدو أقرب إلى معجـزة استطـاع أن يحقق نجاحا جماهيريا مذهلا أدّى إلى تحقيق إيرادات قاربت الـ 250 مليون دولار (ربع مليار دولار). السبب في هذا النجاح الهائل يعود بشكل كامل إلى التسويق. استطاعت شركة الإنتاج أن تطبق إستراتيجية تسويقية غيـر مسبوقة، أصبحت حتى الآن تدرّس كواحدة من أفضل الحالات الدراسية (Case Studies) التي طُبّقت في صناعة السينما العالمية.

بدأت الشركة حملتها الترويجية بإطلاق مُلصقـات غريبة انتشرت بشكل فيروسي بين الشباب الأميـركي، يحمل المُلصق اسم “مشروع الساحرة بلير” وُزّع في أماكن تجمّعات الشباب. المُلصق يحوي قصـة اختفاء 3 من الشباب خرجوا إلى إحدى الغابات بحثا عن ساحرة شريرة، ولم يعودوا مرة أخرى. ويُظهِـر الملصق أيضا صورا شخصية للشباب الثلاثة، وفي نهايته وُضع عنوان إلكتـروني للمزيد من المعلومات.

مع مناخ الغموض الهائل الذي يحويه المُلصق، انهالت الزيارات بالملايين على الموقع لمعرفة المزيد من التفاصيل، ليكتشف الجميع أن الموقع يخبـرهم أن هناك فيلما تسجيليا تركه هؤلاء الشباب المختفون، وهو آخر ما عُثر عليه من طرفهم. وأن عائلاتهم تواصلت مع الشركة لبث الفيلم لكشف حقيقية هذا الاختفاء. وذكر الموقع في النهاية أن هذا الفيلم سيُبثّ في قاعات السينما قريبا. وبالطبع، أُدرجت إحدى اللقطات من هذا الفيلم الذي يُظهِـر مشاهد مُرعبة مصوّرة بكاميرا تبدو عادية تماما وخالية من أي مؤثرات سينمائية، تظهر مجموعة من الشباب الذين يركضون في رعب وسط الغابة.

في هذا التوقيت، شددت الشركة على الشباب الثلاثة أبطال الفيلم الذين كانوا وجوها جديدة لم تظهر على الإطلاق من قبل، شددت عليهم عدم الظهـور على الإطلاق والاختفاء عن الأنظار، وبالطبع عدم الظهـور في أي لقاءات تلفزيونية، وحتى عدم الحديث مع ذويهم في الأيام الأخيرة التي تسبق إطلاق الفيلم في دور السينما. في الوقت الذي كثفت فيه حملتها التسويقية عبر ملصقاتها الدعائية بين الشباب، حتى تحوّل الأمر إلى ما يشبه حالة رأي عام يتحدث عنها الجميع.

أخيرا، طُرح الفيلم في دور السينمـا، ليتحوّل اهتمام الناس وشغفهم بخصوصه إلى إقبال هائل على مشاهدته ويحقق إقبالا جماهيريا غير مسبوق جعله يحصد إيرادات تُقدّر بنحو 248 مليون دولار مقابل ميزانية إنتاج متواضعة لم تتجاوز الخمسين ألفا. كما احتل الفيلم مكانه في موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأول فيلم تسجيلي يحقق هذه الأرباح في تاريخ السينما.

أرباح فوق طبيعية لأنشطة فوق طبيعية

بعد 10 سنوات بالضبط من صدور فيلم “مشروع ساحرة بلير” الذي حقق نجاحا تسويقيا هائلا، وبقدوم عام 2009 كان عالم صنـاعة السينمـا بصدد تجربة تسويقيـة باهـرة أخرى تُثبت القاعدة الأزلية في أي عمل: تسويق المنتج أهم بكثيـر من المنتج نفسه.

في عام 2009، ظهر الجزء الأول من سلسلة أفـلام الرعب “أنشطة فوق طبيعية” (Paranormal Activity) التي تجسد مشاهد مرعبـة عبر كاميـرات تصوير منزلية، وهو نفس أسلوب “التسجيلات المكتشفة” (Found Footage) ولكن باستخدام مختلف. الفيلم حقق نجاحا هائلا في شباك التذاكـر، حيث وصلت إيراداته في الولايات المتحدة فقط إلى نحو 100 مليون دولار، بينما ارتفعت إيراداته إلى ما يقارب الـ 200 مليون عالميا، وهو ما أدّى إلى تدشين سلسلة طويلة من هذه الأفلام تحت الاسم نفسه في السنوات التالية.

إلى هنا يبدو كل شيء طبيعيا. فيلم رعب آخر حقق إيرادات هائلة في شباك التذاكر يحتوي على أشباح ومشاهد مرعبة. لكن الشيء غير الطبيعي حتما -ربما كامتداد أن الفيلم نفسه يعرض الظواهر غير الطبيعية (paranormal)- هو أن ميزانية إنتاج هذا الفيلم كانت 15 ألف دولار فقط، لا أكثر ولا أقل. بمعنى آخر، ميزانية هذا الفيلم كاملة قد تكون أقل كثيرا من ميزانيـة إنتاج مشهد واحد في بعض الأفلام الهوليوودية ضخمة التمويل.

على خُطى فيلم “مشروع ساحرة بلير” أُطلقت الحملة الترويجية للفيلم ولكن بتعديلات جوهـرية في طريقة العرض والتشويق للجمهـور. أول عنصـر من عناصر الجذب كان التشويق عبر المقطع الترويجي للفيلم الذي يجسّد مشاهد مرعبـة، ولكن دون أن يشرح أي ملامح لقصـة الفيلم نفسها. مجموعة مختارة بعناية من المشاهد المرعبة التي تجعل المشاهد يهتم بأن يعرف القصة، دون أن يمنحه المقطع الترويجي للفيلم هذه الفـرصة.

في التوقيت نفسه، ركزت الحملة التسويقية على إظهـار مستوى الرعب على المشاهدين أنفسهم، حيث خرجت مجموعة من الفيديوهات تظهـر ردود أفعال المتفرّجين أثناء مشاهدتهم للفيلم في السينما وهم يقفزون من المقاعد ويصرخون صراخا هستيريا، وهو ما أعطى انطباعا للجمهـور الذي لم يشاهده بعد أن جرعة الرعب في الفيلم متدفقة للغاية وتستحق المشاهدة.

بالإضافة إلى ذلك، أطلقت شركة الإنتاج واحدة من أهم الأدوات التسويقية التي لعبت دورا محوريا في تسويق الفيلم، واعتُبرت أيضا المرة الأولى لاستخدام هذه الأداة بواسطة شركة إنتاج سينمائي لتسويق فيلمها. كانت هذه الأداة هي مساحة إلكتـرونية مفتوحة للجميـع حيث يمكنهم التصويت بعد رؤية المقطع الترويجي للفيلم برغبتهم في مشاهدة الفيلم في قاعة السينما في مدينتهم أو الولاية التي يسكنونها، بالضغط على زر “طلب” (Demand). أتاحت هذه الأداة إحصائيات واضحة لشركة الإنتاج بأهم المدن والولايات في أميـركا التي تضم جمهورا اهتم بالفيلم وأسلوب وعرضه، وبالتالي تقوم الشركة بنشر فيلمها في دور السينما في هذه المدن والولايات كأولوية، بدلا من أن تتعاقد مع عدد كبير من دور السينما دون مردود حقيقي.

كانت النتيجة إقبالا هائلا على الفيلم من وراء الحملة التسويقية الناجحة له، وارتفاع إيراداته في أميـركا وحدها إلى 100 مليون دولار تقريبا، دون الحاجة إلى التعاقد مع شركات علاقات عامة أو نشر إعلانات في الصحف. ويعتبر الفيلم حاليا حالة دراسة شائعة لآليات تسويق المنتجات منخفضة الميزانية، وكيفية تحقيق أرباح هائلة من المنتجـات من خلال إستراتيجيات تسويقية “فوق طبيعية”.

أخيرا، ما ينطبق على السينما ينطبق على غيرها من الصناعات مع اختلاف أدوات التنفيذ. المبدأ التسويقي واحد، وهو البحث عن أفضل الطرق وأقلها تكلفة للوصول إلى أكبر عدد من الجمهـور وتحقيق أرباح ضخمة من ورائه. أما الأدوات وطرق التنفيذ لهذا النوع من الحملات التسويقية فيجب أن يكون بِرَكْل صندوق التسويق التقليدي، وإحلاله بأدوات التسويق غير التقليدي الذي يؤدي المهمة بأقل التكاليف.

المصدر:ميدان

Share this post

No comments

Add yours