أستوديو فن-السيراميك: توثيق لنباتات القرى المهجّرة على الخزف

تحرص الفنانة التشكيلية المقدسية سندس الرجبي على سقي شجرة النجاح، رغم أن تربة وظروف مدينة القدس عصيتان على إنباتها، فأطلقت مؤخرا مشروعها “أستوديو الفن-السيراميك” متحدية كل الصعاب.

في الأستوديو الذي اضطرت لفتحه في ساحة منزلها الخارجية لعدم قدرتها على استئجار مكان في القدس بسبب الأسعار الباهظة، يتنقل بصر الزائر بين مجموعة مبهجة من القطع الخزفية الاستثنائية التي شكّلتها الرجبي بعناية وبعد اجتياز مراحل عديدة من الإنتاج. ولعل الأواني الخزفية التي تحمل بصمات نباتات مختلفة من القرى الفلسطينية المهجرة هي أكثر ما يلفت الانتباه في مشروعها حديث الولادة.

فعلى أحد الصحون حُفرت بصمة نبتة “الميرمية”، وعلى فنجان آخر حفرت أوراق النعناع، وحملت قطعٌ أخرى بصمات عروق وأوراق من شجرة البطم أو نبتة الياسمين ونباتات عطرية أخرى تميل سندس لقطفها من كل قرية مهجرة تتجول بها.

أدركت الفنانة الشابة مبكرا أن المنافسة في مجال صناعة الخزف وزخرفته شديدة، فروت بذرة مشروعها بتأنٍ قبل 3 أعوام ووجدت أنها ستتفرد في مجال ربط الخزف بنباتات القرى المهجرة.

إحياء القرى
“أعشق تفاصيل النباتات، وهذا دفعني يوما لتجربة طبع ورقة نبتة على عجينة الخزف وحصلتُ حينها على نتائج أبهرتني، وبحكم شغفي بالتجوال في القرى المهجرة أيضا بدأت بتوثيق نباتات هذه القرى من خلال طبع تفاصيل بصمتها على الخزف ثم تلوينه”.

ومع الوقت تولدت الخبرة لدى الفنانة المقدسية فباتت تعلم أي نوع من النباتات يذبل بسرعة، وأيها يمكن الحفاظ على تفاصيله ليوم أو يومين عبر تبريده قبل حفر بصمته على الطين.

وتميل الرجبي إلى النباتات التي تحمل هوية واضحة في ورقتها -حسب تعبيرها- كالميرمية والنعناع والزعتمانة، وحملت منتوجاتها الخزفية بصمات لهذه الأوراق التي انسجمت بشكل كبير مع الألوان المختارة لها بعناية.

وعن الهدف من اختيار النباتات في مشروعها من القرى المهجرة بالتحديد، قالت “في منازلنا وحولها تتوفر النباتات، لكن من المهم أن نقطف النباتات من القرى المهجرة ونوثقها، ثم نروي قصة القرية من خلال قطعة خزفية تحمل بصمة إحدى نباتاتها.. أشعر أنني أحيي القرى المهجرة بهذا الفن”.

تؤكد الفنانة الرجبي أن فكرة اقتناء الأواني الخزفية التي تحمل بصمات النباتات لاقت استحسانا واسعا، وطلب بعض الأشخاص منها طباعة نبتة من قرى معينة على كأس أو صحن لتعزيز ارتباطهم بها.

“كما يتعمد كثيرون زيارة مناطق معينة لأخذ حفنة من التراب كتذكار منها، بات الآن لديهم الخيار لأخذ بصمة نبتة من قرية مهجرة واستخدامها بشكل يومي مدى الحياة”.

توثيق فني للنباتات
طبيب الأسنان المقدسي مجد الهدمي أحد من اهتموا باقتناء أوان خزفية من أستوديو الفن، ووصف القطع الخزفية المتوفرة في الأسواق بالميتة، مضيفا أن الرجبي لديها رؤية بصرية مختلفة، فاستوحت من الطبيعة أفكارا مبتكرة تنفذها على الخزف، مما أحيا هذه القطع وأضفى عليها رونقا استثنائيا.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت “في جولاتي إلى القرى المهجرة أعود لمنزلي عادة برزم من النباتات المختلفة كالزعتر البري والميرمية وورق اللسان لاستخدامها في الطعام، لكن لم أفكر يوما بأخذ بصمتها وتوثيقها، لذلك استوقفني هذا المشروع وقررت اقتناء عدة قطع من هذه الفنانة”.

ما يثير الاهتمام في مشروع سندس الرجبي، وفقا للهدمي، أنه إذا اكتشف نوعا غريبا من النباتات في القرى المهجرة التي يزورها، فإنه بات لديه الآن عنوان يلجأ إليه لتوثيقها بطريقة فنية جاذبة، مضيفا أن ذلك سيدفع كثيرين للبحث عن نباتات غريبة في جولاتهم القادمة بالقرى.
نور عليان طبيبة مقدسية تهتم هي كذلك بالتجوال في القرى المهجرة، وتقول إن الأعشاب والنباتات البرية هي أول ما يلفت انتباهها في الجولات. وتضيف “تذكرني النباتات دائما بالعلاقة بين الإنسان وأرضه، وبمجرد رؤيتها ولمسها أتذكر كيف كانت حياة أجدادنا في هذه القرى بين النباتات والأشجار وأن مجتمعات بأكملها كانت قائمة على هذه الأرض وتلك، وكانت تعج بالحياة”.

وضوح عروق النباتات وتفاصيل أوراقها على الأواني التي تنتجها الرجبي أثار إعجاب عليان ودفعها لاقتناء قطعتين لمطبخها منها، وأضافت أن نبتة “قرن الغزال” هي أكثر ما يشدها في تجوالها بالقرى المهجرة، والآن توجد فنانة يمكن اللجوء إليها لتوثيق بصمة هذه النبتة.
رغم انبهارها وشغفها بعالم النباتات، فإن الرجبي قررت إيلاء اهتمام خاص أيضا بمعالم المدينة المقدسة التي تعشقها، حسب تعبيرها. “هناك الكثير من القطع الخزفية التي تحمل رسومات مبتذلة ومكررة عن القدس، فقررت أن أتميز بتصاميم مختلفة للمدينة عبر تزيين القطع الخزفية برسم ونقش وحفر معالم القدس كما أراها بأسلوبي الخاص ومن نظرتي لها كفنانة”.

وهكذا سيصبح بإمكان أي شخص اقتناء قطع خزفية، سواء كانت أواني مطبخية أو تحفا للزينة، تحمل اسم وقصة باب العامود أو سور القدس التاريخي وغيرها من معالم العاصمة المحتلة.

يذكر أن الفنانة سندس الرجبي ولدت في مدينة القدس عام 1991، والتحقت بقسم الفنون التشكيلية في جامعة النجاح الوطنية، وتخرجت فيها عام 2014، وفي عام 2017 سافرت إلى تركيا حيث تعمقت في فن الخزف بمدينة إزنيق.

حازت الفنانة المقدسية جوائز عدة، من بينها حصولها على المرتبة الخامسة في مسابقة الملتقى العربي للفنانين التشكيليين الشباب بمدينة تطوان المغربية عام 2016، وفي صيف عام 2019 افتتحت في المركز الثقافي التركي بالقدس معرضها الفني “مدينتي” الذي ضمّ 35 لوحة لمدينتي القدس وإسطنبول تعبيرا عن حبها لهما.

المصدر : الجزيرة

Share this post

No comments

Add yours