الأمازيغ في تونس: حضارة عريقة

يلاحظ زوار تونس التأثير اللافت للحضارة الأمازيغية على ثقافة البلد، فالآثار منتشرة في كل مكان، في الطعام حيث “الكسكسي”، وهو الطبق المميز في البلاد، والوشم على ذقون التونسيات كبيرات السن (على الجبين والخدين بخاصة)، والملابس التقليدية، والرموز المنحوتة على مساجدها وقبابها شواهد على عراقة هذه الحضارة الموغلة في القدم، وهو ما قادنا لنستكشف إحدى القرى الأمازيغية التي صمدت معالمها أمام زحف الزمن.

على المستوى الثقافي، يُعتبر الأمازيغ أول من أدخل الأوشام التي تُرسم على الأجساد إلى دول المغرب العربي، فالوشم كان إحدى مميزات النساء في قديم الزمن عند النساء الأمازيغيات، ويرمز إلى الأنوثة والخصب، فالمرأة الواشمة هي المرأة الناضجة للزواج، وتنتشر الأوشام في جسد المرأة الأمازيغية خصوصاً على الوجه واليدين والرجلين، ويتميز الوشم الأمازيغي بكونه تقليداً طقوسياً مرتبطاً بالنظام القيمي والثقافي يتأتَّى من حياة الإنسان الأمازيغي الذي كان يعيش في عالم من الرموز والعلامات والقوانين التي يقصد بها الانتماء إلى هُويّته المتجذرة في التاريخ، كما كان ذا دلالة دينية تبعد الأرواح الشريرة والحسد وتجلب الحظ السعيد، ويوضع على جسد المرأة الجاهزة للزواج دليلاً على أهليتها لهذا العقد المقدس وقدرتها على تحمل أعباء الزوجية، وهي التي تحملت وخز الإبر.

ويسرد الباحث التونسي فتحي بن معمّر فصولاً أخرى من التقاليد الأمازيغية على غرار طقوس طلب المطر والمعروفة في مناطق تونسية عديدة باسم «امك طنبو»، وهي قطعة خشب في شكل قاطع ومقطوع، يزيّنها الأطفال بقطع من القماش ويجوبون بها منازل قريتهم وهم يغنّون طلباً لنزول المطر، إضافة إلى طقوس أخرى كطقوس الزواج، فالعروس تتجلى في لباسها التقليدي وهي مرصعة بالحلي الأمازيغي واضعة يديها على وجهها، لتكشفه تارة وتخفيه تارة، تجسيداً للإلهة «تانيت» إلهة الخصب والرضاعة التي عبدها الأمازيغ قديماً، باعتبار أنّ العروس ستصبح امرأة مرضعة.

عادات متفرّدة
في تونس يحافظ الأمازيغ إلى اليوم على عاداتهم وتقاليدهم الضاربة في القدم، وهي متفرّدة عن باقي الحضارات في جوانب عديدة، ومنها تشبّثهم بلغتهم «الشلحة» التي ترسخ استعمالها حتى في اللهجة الدّارجة للتونسيين، إضافة إلى احتفائهم بصناعاتهم الحرفية التي توارثوها عبر الأجيال، من صناعة للفخار والحلي بالإضافة إلى اللباس التقليدي والأكلات الخاصة بهم ،التي تعتبر اليوم من أشهر الأكلات في تونس،

تجاهُل حكومي

تكشف إحصاءات غير رسمية أن عدد الأمازيغ في تونس يناهز 500 ألف، أي خمسة بالمئة من العدد الإجمالي لسكان البلاد، لكنّ حضورهم في المشهد السياسي شبه منعدم وتغلق الدولة الباب أمام أي مطالبات بإدراج لغتهم في المناهج الدراسية.
وحرصت الحكومات التونسيّة المتعاقبة على منع تداول اللغة الأمازيغية لتكريس “هُويّة عرقيّة متجانسة” للشعب التونسي، كما لم يتطرّق الدستور التونسي الجديد في أي من فصوله إلى الأمازيغ، واكتفى بتأكيد “عروبة تونس وإسلامها”.

Share this post

No comments

Add yours